مجمع البحوث الاسلامية
105
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
لعثمان ابن عفّان : ما حملكم على أن عمدتم إلى سورة براءة وهي من المئين ، وإلى سورة الأنفال وهي من المثاني ، فقرنتم بينهما ، وما فصلتم ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . * فقال : كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كلّما نزلت عليه سورة يقول : « ضعوها في موضع كذا » وكانت براءة من آخر القرآن نزولا . فتوفّى صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يبيّن موضعها ، وكانت قصّتها شبيهة بقصّتها فقرن بينهما . قال القاضي : يبعد أن يقال : إنّه عليه السّلام لم يبيّن كون هذه السّورة تالية لسورة الأنفال ، لأنّ القرآن مرتّب من قبل اللّه تعالى ومن قبل رسوله ، على الوجه الّذي نقل . ولو جوّزنا في بعض السّور أن لا يكون ترتيبها من اللّه على سبيل الوحي ، لجوّزنا مثله في سائر السّور ، وفي آيات السّورة الواحدة ، وتجويزه يطرف ما يقوله الإماميّة : من تجويز الزّيادة والنّقصان في القرآن « 1 » ؛ وذلك يخرجه من كونه حجّة . بل الصّحيح أنّه عليه السّلام أمر بوضع هذه السّورة بعد سورة الأنفال وحيا ، وأنّه عليه السّلام حذف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * من أوّل هذه السّورة وحيا . الوجه الثّاني : في هذا الباب ما يروى عن أبيّ بن كعب أنّه قال : إنّما توهّموا ذلك ، لأنّ في الأنفال ذكر العهود ، وفي براءة نبذ العهود ، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى . والسّؤال المذكور عائد هاهنا ، لأنّ هذا الوجه إنّما يتمّ إذا قلنا : إنّهم إنّما وضعوا هذه السّورة بعد الأنفال من قبل أنفسهم ، لهذه العلّة . الوجه الثّالث : أنّ الصّحابة اختلفوا في أنّ سورة الأنفال وسورة التّوبة سورة واحدة أم سورتان ؟ فقال بعضهم : هما سورة واحدة ، لأنّ كلتيهما نزلت في القتال ، ومجموعهما هذه السّورة السّابعة من الطّوال وهي سبع ، وما بعدها المئون . وهذا قول ظاهر ، لأنّهما معا مئتان وستّ آيات ، فهما بمنزلة سورة واحدة . ومنهم من قال : هما سورتان ، فلمّا ظهر الاختلاف بين الصّحابة في هذا الباب ، تركوا بينهما فرجة ، تنبيها على قول من يقول : هما سورتان ؛ وما كتبوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * بينهما ، تنبيها على قول من يقول : هما سورة واحدة . وعلى هذا القول لا يلزمنا تجويز مذهب الإماميّة ؛ وذلك لأنّه لمّا وقع الاشتباه في هذا المعنى بين الصّحابة ، لم يقطعوا بأحد القولين ، وعملوا عملا يدلّ على أنّ هذا الاشتباه كان حاصلا ، فلمّا لم يتسامحوا بهذا القدر من الشّبهة ، دلّ على أنّهم كانوا مشدّدين في ضبط القرآن عن التّحريف والتّغيير ، وذلك يبطل قول الإماميّة « 2 » . الوجه الرّابع في هذا الباب : أنّه تعالى ختم سورة الأنفال بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضا ، وأن يكونوا منقطعين عن الكفّار بالكلّيّة ، ثمّ إنّه تعالى صرّح بهذا المعنى في قوله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فلمّا كان هذا عين ذلك الكلام وتأكيدا له وتقريرا له ، لزم وقوع الفاصل بينهما ، فكان إيقاع الفصل بينهما تنبيها على كونهما سورتين متغايرتين ، وترك كتب بِسْمِ اللَّهِ *
--> ( 1 و 2 ) نسبة التّحريف إلى جميع الإماميّة افتراء عليهم ، إنّما ذهب إليه شاذّة من الأخباريّة انقرضت ، وخالفها جمهور الإماميّة قديما وحديثا . لاحظ المدخل .